العلامة المجلسي

439

بحار الأنوار

واعلموا عباد الله إنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشد بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة جامدة ( 1 ) من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية وآثارهم عافية ( 2 ) واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة ( 3 ) الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطية الملحدة ( 4 ) التي قد بين الخراب فناؤها وشيد التراب بناؤها ، فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ( 5 ) بين أهل عمارة موحشين وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون الجيران والاخوان ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنو الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل ، وقد طحنهم بكلكلة البلى ، فأكلهم الجنادل والثرى ( 6 ) فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب . هيهات هيهات كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ، وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى ، والوحدة في دار الموت ، وارتهنتم في ذلك

--> ( 1 ) الهمود : طفوء النار أو ذهاب حرارتها والفعل كنصر . ( 2 ) أي ممحوة وعفا أثره أي انمحى واندرس . ( 3 ) النمارق جمع نمرقة وهي الوسادة يتكأ عليها . الممهدة : المبسوطة . ( 4 ) الاستناد إلى الشئ : الاعتماد عليه . ولطأ بالأرض - كمنع وفرح - : لصق . ( 5 ) المغترب : الظاعن . ( 6 ) الكلكل - كجعفر - : صدر البعير ، شبه عليه السلام البلى أي الفناء بالجمل يرض صدره ما برك عليه . والجنادل : الحجارة . والثرى : التراب .